فخر الدين الرازي
223
القضاء والقدر
الفصل الأول في حكاية قول من يقول العلم ضروري حاصل بكون العبد موجدا - قد نقلنا في أول المسألة : أن « أبا الحسين » يدعي العلم الضروري بأن العبد موجد لأفعال نفسه - واحتجوا على أن العلم الضروري حاصل بذلك بوجوه ثلاثة : الأول : إن كل عاقل يعلم من نفسه : أن وقوع تصرفاته موقوف على دواعيه ولولا دواعيه لما وقع شيء منها . فمتى اشتد به الجوع ، وكان تناول الطعام ممكنا ، فإنه يصدر منه تناول الطعام . ومتى اعتقد أن في الطعام سما ، ينصرف عنه . وكذلك يعلم من غيره من العقلاء ، الذي أحوالهم سليمة : أنه يجب وقوع أفعالهم بحسب دواعيهم . فإن الولد العاقل السليم إذا علم ما له من المنفعة في شرب الماء ، حال شدة عطشه ، ولم يمنعه منه مانع ، فإنه يصدر منه الشرب ، لا محالة . ومتى علم ما له من المضرة في دخول النار ، فإنه لا يدخل فيها . وإذا كان معنى الموجد للشيء : هو الذي يحدث منه الفعل ، موافقا لدواعيه ، ثبت أن العقلاء قد يعرفون ببدائه عقولهم كون العبد كذلك . علمنا : أن علمهم بكون العبيد محدثين لتصرفاتهم ؛ علم ضروري . الوجه الثاني في تقرير ذلك : أن العقلاء يعلمون بالضرورة : حسن ذم من أساء إليهم ، ومدح المحسن إليهم . ويعلمون بالضرورة : قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا ، وكون السماء فوقه والأرض تحته . ولولا علمهم الضروري بكون العبد محدثا لأفعاله ، لما علموا بالضرورة حسن مدحه وذمه على أفعاله ، وقبح مدحه وذمه على ما لا يكون واقعا به . لأن العلم بحسن المدح والذم لما كان فرعا على العلم بحدوث ذلك منهم - والعلم بالفرع إذا كان ضروريا ، كان العلم بالأصل أولى أن يكون ضروريا - لزم القطع بأن علم العقلاء بكونهم محدثين لتصرفاتهم : علم ضروري بديهي . ولأجل ظهور هذا العلم عند العقلاء ، حصل هذا العلم للمراهقين . فإن الإنسان إذا رمى المراهق بآجرة ، فإنه يذم الرامي ولا يذم تلك الآجرة . ولولا أنه عالم بالضرورة : بأن الرامي فاعل ، وأن الآجرة ما فعلت شيئا ، وإلا لما فرق بينهما من الوجه المذكور . الثالث : إن الواحد منا يجب من نفسه - ومن غيره - إذا طلب فعلا من غيره ، أنه يطلب منه طلب عالم بأنه هو الذي يحدث ذلك الفعل . ولذلك فإنه يتلطف في استدعائه ذلك الفعل